أصحاب شجرة اللوز في غزة

الكهل في غزة ينتظر دوره ليأخذ كابونة العيد
أصحاب شجرة اللوز في غزة.. يشتاقون لها.. وينتظرون في طوابير للأكل من ثمارها

أقلُّ من خطواتِه كلماتُه، وعباراتُه أعمقُ من تجاعيد الزمن التي قهرت ملامحَه، تكادُ تقاسيم وجهِه تحكي مأساةَ أيامه، وتشي نظراته بآلامٍ وجروحٍ ما اندملت مذ حلت، وما ينكؤ الحزن أن هذه الغارة الأولى فحسب، بعدها تكتسح الغزوات مشاعرك من عالمه الكئيب، حينما يمد يداً متشابكة العروق بما يشبه أشواكَ سنيّ عمره المنصرمة، تصل مرتجفة لأصابعك تصافحها.. نظرة فلقاء بلا موعد، فحديث لا يخلو من شجون..

– “ستون عاماً ونحن عبيد هذه المعونات التي لا تسمن ولا تغني من جوع”

بدأ سيمفونية الحديث بما تعنيه كلمات تلك العبارة، واسترسل في أسى حكايته السرمدية مع (الكابونة).. حكاية غزة وهي وتسابق أهلها على الأبواب وتصطف في طوابير للحصول على الفتات مما يلقى إليها من نوال المحسنين، والغريب أنه مهما قل ذاك العطاء وتباعدت فتراته، تراهم يرقبون السمع بطرف خفي، علّهم يعرفوا بمكان تسليم معونات هنا أو هناك فيهرعوا إليها يزفون، وإذا لم يعطوا منها سخطوا وهم ناقمون..

– “أعرف يا ولدي أن ما يأتيهم باسمنا أضعاف ما يتجملون به علينا ويتفضلوا، ولكنهم طريقنا الوحيد للحصول على مثل هذه المساعدات.. يسرق كي يطعمك، هل من الحكمة أن تحاكمه؟”

صُدمت بهذا المنطق العجيب، فما يرويه هذا الطاعن يكشف حقيقة طالما تجاهلنا سطوعها، يعرف تماماً أن هذه الجمعيات وتلك المؤسسات الخيرية المزعومة ما كانت لتقوم لها قائمة لولا وجوده هو والمعدمين أمثاله، ولن تسير عجلات مشاريعها التنموية إلا بتوافدهم على أبوابها، ولا وجود لبرامجها الإغاثية إلا بعد تسجيل كم ضخم منهم في كشوفاتها، وما أسماء المحتاجين وآلامهم ومعاناتهم واحتياجاتهم إلا جسراً يعبروه ليرققوا قلوب أهل الخير من شخصيات ومؤسسات إغاثية أكبر سرعان ما تمد أياديها البيضاء وتزودهم بمساعداتها المختلفة..

ولأن هؤلاء اعتادوا هذه الجرعات فقد أدمنوا، وفات أوان علاجهم وأنّى لهم الفكاك من جرعة الكابونة.. ومما فهمته من حديثه عن سياسة أصحاب تلك الجمعيات أن اللقمة تأتيهم دسمة يمضغوا منها ما أرادوا، ويبلع معظمهم خيرها، ثم يجتر بعضهم لقيمات مما علق بين أسنانه، وإن شاء جمع الناس على صعيد ليلبي لكل واحد منهم مسألته، ويمنّ على كثير منهم، بأن أخرج اللقمة من فيه لأجلهم..
كحال صاحب الأسنان، ومالك اللوز، الأول يلوك اللوز والثاني ينتظر المضغة..

هنا استوقفتُ شلال حديثه برفق، إن من تتحدث عنهم قد ضمن لهم الإسلام حقهم، ويكفيهم أنهم من الثمانية الذين تجوز لهم الصدقة، أليسوا هم “وَالعَامِلٌونَ عَلَيْهَا”؟
ثم ما يدريك أنها ليست سياسة من هم أعلى منهم، من الذين نسجوا هذه الجمعيات والمؤسسات بيننا، ورسموا لها أسماء كبيرة يُتلهى بها، وقدّروا فقتروا، حتى يبقى الكل لهم تبع، فمن يعطي هو من يشترط، ويدبر ويرسم ويخطط.

رفع كلتا يديه بالسبابتين ودون أن يفتح فاه قالت عيناه: “حسبنا الله ونعم الوكيل” ثم سجل للتاريخ رسالته الخالدة:

– “يا بني، لم تكن النكبة عندما هجّرنا من أرضنا، إنما نكبتنا عندما قبلنا أول كيس مؤن من الوكالة، وسكنا في بيت من قماش ورضينا بالمخيم وطناً..”

تركها في عقبه لتكون لمن خلفه آية، وأصعب لحظة في اللقاء فراقه، حين يوليك ظهره ويمشي بخطوات وئيدة، يتكئ على عصاه رفيقة دربه المهترئة، عصا قطعها من شجرة لوز ذات مرة، فنحن أصحاب اللوز وهم من يأكله..
ومضى يلتهمه المجهول
ويطويه النسيان في عباءته..

كان التابعي الجليل (محمد بن واسع) يبلل الخبز بالماء ويأكله ويقول: “من قنع بهذا لم يحتج أحداً”.

عن Khaled Safi

خالد صافي مدرب في مجال الإعلام الجديد ومهتم بالتصوير والتصميم، حاصل على لقب سفير الشباب الفخري من وزير الشباب والرياضة التركية، حاز على جائزة أفضل مدونة عربية لعام 2012 من دويتشه فيله الألمانية.

شاهد أيضاً

هذه الأيام حلال وهذه حرام

لست في موضع فتوى، ولكني أؤمن أن مبادئ الإسلام لا تهمش ولا تختبئ، ولا تسفه الناس جميعًا، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الإسلام يبيح كل طيب ولا يحرم إلا الخبيث العكر..

2 تعليقان

  1. لا حول ولا قوة الا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل لا اعرف ما اقول حقا فانا فى مثل هذا الحال اقف عاجزة ان افعل شئ سوى اننى اقول ان ذلك حال الكثير لا ادرى ما افعل لأن الوضع صعب حقيقة وهى مأساة فعلا ولكن ادعو الله واحاول ان اساعد على قدر المستطاع والله هو الغنى الكريم  ولكن هناك من يملك الضمير الحى والذى يعى دوره نحو الامة وارى منهم الكثير
    اشكرك كثيرا استاذ خالد على كتاباتك الواقعية التى تحمل واقع الشعب وتحمل اعباءه وعلى روحك الطيبة التى تشعر بالاخرين فاليوم واجهت مثل هذه المواقف ورايت الكثير من هؤلاء الناس منهم الصادق ومنهم الذى يدعى والمسؤول الذى ينهب والذى يضحى والله الولى والمستعان والحمد لله رب العالمين كان الله فى عون شعبنا والله الكافى الذى لا يضيع رزق احد
    جزاك الله خيرا
    تحياتى

    خالد: هؤلاء والحمد لله نجدهم في كل مكان
    وأكاد أجزم أن كل بيت غزاوي هو صاحب شجرة لوز يمضغ ثمارها آخرون
    ولا يناله منها الفتات

  2. ابداع من اروع التدوينات التي قراتها فعلا شكرا لك عزيزي الكاتب والمدون خالد صافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Protected by WP Anti Spam