شعر كوكو وبنطلون ساحل في غزة

kokohair

الجميل في غزة أنها مثل الأفلام الهندية، من أي مشهد يمكنك معرفة كافة تفاصيل الفلم، أما الأجمل ففي كل يوم لنا معها قصة مسلية، وحديث يقسم الناس فسطاطين، يتبنى الأول “مع” بلا سبب والثاني “ضد” لا لشيء إلا لأن الأول “مع“، وبالتالي نرى تغريدات ومنشورات متناحرة يومياً لفريقين لا يعرف أي منهما مع مين الطوشة أصلاً..

نحن أهل غزة متطلب جامعي دسم لطالب كيمياء سنة ثالثة، فنحن سريعو التفاعل والاشتعال، والتنافر والتجاذب المغناطيسي، وتنطبق علينا خصائص المواد المشعة بإشاعاتنا المتنوعة، ونتفوق على أهل رومانيا بأساطيرنا، حتى شعوب الأرمن لا يضاهونا عنصرية وتزمتاً، ربما لأننا في سجن كبير، أو لأن عددنا أكبر من مساحة الأرض تحت أقدامنا، أو ربما لأننا نأكل الفلفل كثيراً، المهم أننا نفوق معلقات شعراء عكاظ بمنشوراتنا اليومية، وتغريداتنا اللحظية.

مع كل صباح يُسرج الفرسان من “نتيتة” غزة جيادَهم الفيسبوكية وعصافيرهم التويترية لإمتاع البقية بتغريداتهم و”بوستاتهم”، وللأمانة هم ينشرون الخبر ومعه الرأي والتحليل، ووجهة النظر التي لا تحتمل الخطأ ولا التأويل، والتحقيق والتقرير، والطرفة والنكتة، والصورة الهزلية والكرتونية، كل تلك المنشورات خلال أقل من ربع ساعة، إنجاز تعجز عن ملاحقته مؤسسات صحفية كاملة، ولكن ابتسم أنت في غزة، والفلم الهندي قصته كلها في آخر مشهدين.

يحيى عياش كان يمشي في شوارع غزة بتسريحة شعر كانيش، ولأنه مطارد اضطر لتغيير تسريحته، وجعل شعره على جنب مثل تلاميذ المدرسة المتفوقين، أما عماد عقل فارتدى الجينز والكاوتشا الفورزا البيضاء مبكراً، ولم يصدق كلام المشايخ وخطباء الجمعة الذين ينادون بالابتعاد عن الملابس الضيقة، بدعوى أنها تسبب عدم الخصوبة لدى الرجال، وقبلهم كان رجال المقاومة في السبعينات يرتدون بنطلون شارلستون، والتسريحة المعتمدة لديهم كانت الشعر المنفوش مثل صوف الخروف، ولأنها موضة شباب تأتي ومصيرها تختفي لم يعترض شرطي ولم يتقزز مواطن.

لكن يبدو أن هذا مستحيل في عهد الفيس بوك، بدأنا هذا الأسبوع بسماء ملبدة بالبناطيل الساحلة والأزرار الفالتة، بعدها بقليل أمطرت الأجواء قصصاً من مطاعم وشوارع ومفترقات طرق عن عمليات ملاحقة تم فيها حلق الشعر “ع الزيرو” ومزع البنطلون بالمشرط، ولبس الطاقية زي الحرمة، و التسريح على جنب زي طالب ابتدائي، وارفع بنطلونك الشرطة وراك، والسؤال الجوهري الذي يشغل بال الآباء والأمهات على أعتاب نتائج الثانوية العامة: الشباب رفعت بناطيلها ولا لسه؟

وأضحت مهمة وزارة الداخلية تفنيد الآراء ودحض الإشاعات الجماهيرية، رغم أن هناك حواجز على الطرق للكشف عن ارتفاع البنطلون عن الأرض، تقابلها دعوات عمال النظافة بالمزيد من التسحيل للمساهمة في نظافة الشوارع، خاصة وأن جهاز العمل الجماهيري – رفح هو من ألصق الحملة بالشرطة.

تدخلت مؤسسات حقوق الإنسان لتستهجن وتستنكر التعدي السافر على حقوق المواطن في غزة، وحذرت التشريعي من سن أي قانون يحدد مقاس البنطلون ونوع العقوبة فهذه حرية شخصية لا يجوز المساس بها، وهي خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وكأن الشعب الفلسطيني انتهى من كافة مشاكله وتوقف الأمر على تسريحة شعر الشاب وطول بنطلونه.

عزيزي الداعية الإجبار ليس وسيلة تربية، بل يأتي دائماً بردة فعل عكسية، أكثر حدة من الحالة التي كانت عليها، وخير مثال ما تراه ما تهكم الشباب على الحملة على صفحاتهم بعدما انتقلت من كونها دعوة لتصبح مطلباً رسمياً.

عزيزي الشاب لو كنت تقرأ شيئاً عن بلدك أو القانون فيها لعرفت أن قيام الشرطة بهذه الحملة لابد أن يكون مستنداً إلى قانون يُسن من المجلس التشريعي الذي انتخبه الشعب، والمجلس التشريعي فيه العديد من القوانين التي تحمي الحرية الشخصية، وبذلك تكون الحملة من الأساس غير قانونية.

من ناحية أخرى تعرف أن لدى الحكومة في غزة من الأعباء والمطالب ما يشغلها عن سؤالك عن سبب ثورة شعرك، وظهور لون البوكسر ونمرة آندر وير حضرتك.

أخي الشاب..
مشكلتنا أكبر من بنطلونك الساحل أو شعرك الكوكو
الإسلام علمنا أن نتزين بجمال يعكس جمال أرواحنا وإيماننا
فإذا كنت ترى نفسك بالشعر الكوكو أجمل، والبنطلون الساحل يزيدك رجولة
فلن تجد من يكرهُك على غيره، طالما أنك تثبت قوتك وفعاليتك في مجتمعك وتقدم لأمتك ما يرقى بها..

ولو شاءَ ربُّك لآمنَ من في الأرضِ كلهم جميعاً أفأنتَ تُكرهُ الناسَ حتى يكونوا مؤمنين [يونس: 99]

عن Khaled Safi

خالد صافي مدرب في مجال الإعلام الجديد ومهتم بالتصوير والتصميم، حاصل على لقب سفير الشباب الفخري من وزير الشباب والرياضة التركية، حاز على جائزة أفضل مدونة عربية لعام 2012 من دويتشه فيله الألمانية.

شاهد أيضاً

هذه الأيام حلال وهذه حرام

لست في موضع فتوى، ولكني أؤمن أن مبادئ الإسلام لا تهمش ولا تختبئ، ولا تسفه الناس جميعًا، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الإسلام يبيح كل طيب ولا يحرم إلا الخبيث العكر..

5 تعليقات

  1. كنت في انتظار تدوينتك أستاذ خالد ..

    لكن للأسف من يسمع ..!

    زي ما بحكو بالبلدي .. بس بدنا حفلة ونرقص فيها ..!!

  2. هذا وصف حقيقي لشباب هذا الزمان ، بدا موجه حقيقي لهم لحثهم على العمل النافع و إضافة قيمة حقيقية لمجتمعهم

  3. thank you

  4. Our poetry, our young blood on the streets of Egypt and in khza iraq afganestan .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Protected by WP Anti Spam