النقد البناء بين الذبابي والانتقائي

naqd

مهما كان الانتقاد بناء فهو غير مقبول عند كثير من البشر، رغم أنهم على قناعة في قرارة أنفسهم أن الكمال لله وحده، وأن أي عمل لابد أن يشوبه نقص، الغالبية يستثقلون الانتقاد خاصة ممن هم أقل منهم شأنًا، ويرونه متصيدًا متربصًا، والعجيب أنهم يُقرون بذات الانتقاد لو كان من شخص مرموق أو صاحب جاه، ويرونه حكيمًا متفهمًا.

صاحب الانتقاد واحد من اثنين: إما ذبابي، لا يقع إلا على السيء من الأفعال والأقوال همّه التعريض بها؛ لأجل التقليل من العمل وأهله، وإما انتقائي، تزعجه المثالب في الأعمال الكبيرة ويطمح للكمال بتوجيه النصح لأجل الارتقاء بكلٍ من الإنجاز وصاحبه.

ولكي تعرف الفرق بينهما دقق جيدًا في طريقة كل منهما في عرض النقد وطرحه:

الذبابي:

– الذبابي ينتقد شخصك والانتقائي يهتم بتقويم فكرتك.
– لا يهمه نجاح العمل أو فشله بقدر إبداء رأيه.
– يرى في عملك الجانب السلبي فقط، والانتقائي يبدأ بالحديث عن إيجابياتك أولاً ثم يضع يديك على مواطن الخلل.
– لا يخلو أسلوبه من التجريح والإساءة والاستهزاء، وغالبًا ما يذكر الأشخاص بأسمائهم والأماكن والأحداث بتفاصيلها.
– لا يسمح لك بالدفاع عن نفسك ولا طرح وجهة نظرك ولا حتى تبرير أخطائك.
– يشكك في نواياك ويفترض سوء النية في الآخرين مسبقًا.
– يُصدر الأحكام قبل الاستماع لوجهة نظرك أو مقصد فكرتك .
– يتعصب لرأيه مهما جئته بالبراهين الدالة على عكس وجهة نظره
– حين توافق على رأي الذبابي – الخطأ – سيدعي شرف الإنجاز ويزعم أنه صاحب الفكرة ولولا وجهة نظره لما صلح البناء.
– انتقاده هو نتاج عمليات نفسية معقدة أولها الحقد ثم شعوره بالحسد إذ لم يكن هو صاحب الشرف في غرس البذرة الأولى.
– لا ينسى الماضي بل يربط أخطاءه بالحاضر وغالبًا ما ينكأ الجراح ويتحامل على الأشخاص بناء على ثارات شخصية.
عبارات الذبابي تدور في فلك: (قلت لك لا تفعل كذا)، (أرى أن هذا لن يجدي نفعًا)، (قلت لك مرارًا أنت لا تصلح لإدارة هذه المهمة)، (لا تفتح المجال لأفكار الآخرين في هذا الشأن)، (لن تجد أصوب من رأيي والزمن كفيل أن يخبرك)، إما أن يسند النجاح لذاته أو الفشل لك وللآخرين.

الانتقائي: 

– يبحث عن تصحيح المسار بغض النظر عمن هو صاحب الفكرة.
– ينهج أسلوبًا راقيًا في التوجيه إذ يطرح الموضوع على اعتبار أنه شأن عام لا علاقة له بشخص محدد، على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا»
– يمكن أن يتراجع عن وجهة نظره إذا شعر أنه أحرج المتلقي، بينما يُمعن الذبابي في الانتقاد والتقريع إن ظن أنه كسب جولة.
– يطرح حلولاً وبدائل للمشاكل والأخطاء بين طيات نقده بما يضمن إكمال البناء وإتمام النقص وسد الثغرات.
– يقدم لك نقده البناء ولا يُلزمك بتطبيقه وإتباعه.
– ينتقد لأنه يرى أن من واجبه تقديم النصح والارتقاء بمستوى من حولهم بغض النظر عمن هو صاحب المبادرة الأول «لا خير فيكم إن لم تقولوها..»
– لا يجامل ولا يحابي ولا يستحي من قول الحق لأنه يرى أن كلمة الحق: «إن أنتَ قلتها متّ وإن سكتَّ متّ قُلها إذن ومتْ»
عبارات الانتقائي تدور في فلك: (الرأي لك لكني أقترح)، (فكِّر أنت في الأمر جيدًا)، (ماذا لو تفعل كذا ربما يتغير الموقف)، (دعنا نجرّب الطريقة التالية فلعلها تنفع)، إما أن يسند الأمر لك أو لكما معاً.

منذ انتشار المنتديات عبر الإنترنت ثم هجرة الشباب لمواقع التواصل الاجتماعي والملايين منهم حول العالم يمارسون مهنة الانتقاد صباح مساء، لما يدور من حولهم من الأحداث والأفعال وحتى الأشخاص بأهداف متباينة تتمايز ما بين هدم وإصلاح، غير آبهين بكمية الأعداء الذين يخلقوهم مع كل عملية نقد غير موجهة، فكل إنسان يحب ذاته ولا يقبل انتقاصًا ممن حوله، فاحرص ألا تكسر قلوب من حولك؛ لأن «من كسر مؤمنًا فعليه جبره»، وليكن دافعك إلى النقد أن ترى صديقك فوق نقدك، لتكسبه كأنه ولي حميم.

وقد جاء في الأثر : «إن أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجلُ الرجلَ فيحصي عليه عثراته وزلاته ليعنّفه بها يوما ما»

 

عن Khaled Safi

خالد صافي مدرب في مجال الإعلام الجديد ومهتم بالتصوير والتصميم، حاصل على لقب سفير الشباب الفخري من وزير الشباب والرياضة التركية، حاز على جائزة أفضل مدونة عربية لعام 2012 من دويتشه فيله الألمانية.

شاهد أيضاً

هذه الأيام حلال وهذه حرام

لست في موضع فتوى، ولكني أؤمن أن مبادئ الإسلام لا تهمش ولا تختبئ، ولا تسفه الناس جميعًا، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الإسلام يبيح كل طيب ولا يحرم إلا الخبيث العكر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Protected by WP Anti Spam