يوميات الغزازوة في الحرب: شفتوني ع التلفزيون؟

لما تيجي الكهربا أول حاجة بنشغلها التلفزيون بنشوف شو صار لما كنا في الكهوف والمغارات مقطوعين عن العالم والناس، وكل همنا نسمع خبر إنه انتهت الحرب، بنلاقي المذيع بنعرف من وجهه مش من كلامه إنه الحرب مطولة، لا حالق دقنه ولا ملابسه مكوية زي الخلق، حتى الأستوديو حواليه ملخبط.. يعني لسه مطولة!

 

الغريب إن كل تلفزيون عامل الحرب على مزاجه، مثلاً قناة الأقصى كانت حاطة اسم الحرب “#انتفاضة_القدس” وبعد يومين سمتها “#العاشر_من_رمضان” وبعد خطاب أبو عبيدة استقرت على “#العصف_المأكول” أما قناة الكتاب فسمتها “#غزة_تنزف_دما” دماً؟ يعني بالله عليكو راح تنزف تطلي مثلا؟ معلوم تنزف يعني دم، بس فلسطين اليوم من أول يوم سمتها “#البنيان_المرصوص” وفضائية القدس سمتها “#فلسطين_تقاوم”، والجزيرة عملت شغل فخم وسمت الحرب “#غزة_تقاوم” وعملت لحالها كمان هاشتاق ع النت، العربية لو بيطلع بإيدها تسميها “ليلة القبض على غزة الإجرامية” عادي، أما فلسطين بتحكي: “يمكنك إضافة الحليب حسب الحاجة..” وبعدها شوية مسابقات ومسلسلات #رمضان..

مرة مراسل تلفزيون فلسطين أجا يعمل مقابلة في مستشفى الشفا مع أهالي الجرحى، واحدة ست مسكت المايك منه وقالت: “أنا بطلب من العرص عباس..”

قطع عليها وحط إيده ع المايك وسحبه المسكين من إيدها.. 

تفتكروا فصلوه وللا لسه؟

المهم الساعتين اللي بتيجي فيها الكهربا وبنشغل التلفزيون صراحة بينسم بدنا فيهم من الجثث والأشلاء والمقطعين واللي انهدمت بيوتهم على روسهم، معقول يكون في خطة استراتيجية عند أصحاب القنوات من ورا هيك أخبار؟ مش عارف بس بحس إنهم قصدهم يطمنونا على مستقبل أجسامنا بعد القصف إنهم مش راح يفرطوا فيها.. القصف عليك والنشر علينا؛ لأنه هادا والله ما بيخدم الروح المعنوية بنوب.. بس مين يسمع.. 

 

يعني مثلا أحداث 11 سبتمبر قالوا إنه مات فيها 4 تلاف واحد؟ حدا فيكوا شاف صورة جثة مقطعة وللا محروقة وللا مفعوصة؟! إطلاقا.

في حاجة في الإعلام اسمها دوائر الصمت معناها باختصار كيف تخللي اللي قدامك ينخرط في الحوار معك بطريقتك ويحكي أفكارك بنفس لهجته، هادا الشي إله علاقة مباشرة بما يعرض ع التلفزيون عشان هيك لازم يكون مع المراسل واحد متخصص بهيك شغلة يرتبها مع الناس قبل ما يقابلهم عشان لما يجي المراسل يحكي مع المواطن تطلع الرسالة صح..

المراسلين النشاما عنا بتلاقيه بيحكي بالنحوي المغضوب عليه مع المواطن: “أخبرنا ما الذي حدث هنا؟”

المواطن الغلبان بينجر لدائرة اللغة الفصحى ودوّر في مخه على كلام نحوي من أيام صف رابع عشان يضمن كلامه يطلع ع الهوا فيجاوب: لقد قامت قوات الاحتلال بقتل رجلا مسنا هذا الرجل جاء زيارة ولم يكن مقاوما إنه أجا يزور ابنه إنه مريض ولقد استطاعت القوات الهمجية أن تقتله أمام أولاده وبناته وتطلق النار عليه من الخلف ومات هو يصلي هذا الرجل الطيب مات من العدوان الغاشم”

وبيكمل المراسل عليه بالضربة القاضية لما يسأله: “ما هي رسالتك ولمن توجه نداءك؟”

طبعا هو يا دوب حافظ هادا الجواب من آخر مرة شافها ع التلفزيون قبل ما ينقصف بيتهم ف يجاوب ع طول: نناشد الدول العربية ونطالب الأمم المتحدة بالتدخل ووقف إطلاق النار وهذا العدو الغاشم..”

يا عالم.. سيبوا الناس تعبر عن آلمها زي ما بدها، بدون قيود ولا حواجز من اللغة ولا السياسة التحريرية لقناتكم الموقرة، افتحوا المجال للناس من خلال شاشتكم ليحتلوا هم الجزء الأكبر، مع احترامنا وتقديرنا لمراسليكم والمذيعين الكرام أبطال القصة هم الناس نفسهم، وهم اللي يستحقوا الظهور لمدة أطول على الشاشة، الطفل ببراءته، والجريح بدمه، والمكلومة بنواحها، والمسن بدمعته، أولى من اللقاءات والتحليلات والرغي وبيع الكلام وتمرير الأجندات..

أما جثث الشهداء فإنها تستغيثكم: انشروا رسالة الحياة واتركوا رواية الدم.. حافظوا على ما تبقى لنا من كرامة بينكم ولا تنتهكوا حرمة أجسادنا بين أيديكم..

هادي الحرب التالتة خلال أقل من ست سنوات، إذا فاكرين إن كلمة طوارئ أو وضع استثنائي معناها ما في خطة إستراتيجية ومنهجية واضحة للنشر ياريت تغيروا مفهوم العمل الإعلامي عندكم، وسكروا القناة بطلت بديش أطلع ولا راح تشوفني ع التلفزيون إلا شهيد..

عن Khaled Safi

خالد صافي مدرب في مجال الإعلام الجديد ومهتم بالتصوير والتصميم، حاصل على لقب سفير الشباب الفخري من وزير الشباب والرياضة التركية، حاز على جائزة أفضل مدونة عربية لعام 2012 من دويتشه فيله الألمانية.

شاهد أيضاً

الانتفاضة الثالثة في الضفة والانتفاضة الإلكترونية في غزة

ركزت التغريدات على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي على مدار العام وفي فترات ساقة لتثبت للجمهور المتلقي أن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Protected by WP Anti Spam